ابن كثير

59

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ليمنعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فالتقوا ببدر ، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ، ولا هؤلاء بهؤلاء ، حتى التقى السقاة ، ونهد الناس بعضهم لبعض . وقال محمد بن إسحاق في السيرة « 1 » : ومضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على وجهه ذلك ، حتى إذا كان قريبا من الصفراء ، بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين ، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان ، فانطلقا حتى إذا وردا بدرا ، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء ، فاستقيا في شن لهما من الماء ، فسمعا جاريتين تختصمان ، تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي ، وتقول الأخرى إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأقضيك حقك ، فخلص بينهما مجدي بن عمرو ، وقال صدقت ، فسمع بذلك بسبس وعدي ، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبراه الخبر ، وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حذر ، فتقدم أمام عيره ، وقال لمجدي بن عمرو هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره ؟ فقال : لا واللّه ، إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا من شن لهما ثم انطلقا ، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما ، فأخذ من أبعارهما ففته فإذا فيه النوى ، فقال هذه واللّه علائف يثرب ، ثم رجع سريعا فضرب وجه عيره فانطلق بها فساحل ، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره إلى قريش فقال : إن اللّه قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا ، فقال أبو جهل : واللّه لا نرجع حتى نأتي بدرا - وكانت بدر سوقا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثا فنطعم بها الطعام ، وننحر بها الجزر ، ونسقى بها الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا ، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدا . فقال الأخنس بن شريق : يا معشر بني زهرة ، إن اللّه قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا فرجعت بنو زهرة ، فلم يشهدوها ، ولا بنو عدي . قال محمد بن إسحاق « 2 » : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين دنا من بدر ، علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر ، فأصابوا سقاة لقريش غلاما لبني سعيد بن العاص ، وغلاما لبني الحجاج ، فأتوا بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فوجدوه يصلي فجعل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونهما لمن أنتما ؟ فيقولان : نحن سقاة لقريش ، بعثونا نسقيهم من الماء ، فكره القوم خبرهما ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما ، فلما أزلقوهما قالا : نحن لأبي سفيان فتركوهما ، وركع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم ، وقال « إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم تركتموهما ، صدقا واللّه إنهما لقريش ، أخبراني عن قريش » قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى ، والكثيب : العقنقل . فقال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « كم القوم ؟ » قالا : كثير . قال : « ما عدتهم ؟ » قالا ما ندري . قال

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 / 617 - 619 . ( 2 ) سيرة ابن هشام 1 / 616 ، 617 .